ابن الجوزي

48

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى : * ( ومن كان في هذه أعمى ) * قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر : " أعمى فهو في الآخرة أعمى " مفتوحتي الميم ، وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم بكسر الميمين . وقرأ أبو عمرو : " في هذه أعمى " بكسر الميم ، " فهو في الآخرة أعمى " بفتحها . المشار إليها ب‍ * ( هذه ) * قولان : أحدهما : أنها الدنيا ، قاله مجاهد . ثم في معنى الكلام خمسة أقوال : أحدها : من كان في الدنيا أعمى عن معرفة قدرة الله في خلق الأشياء ، فهو عما وصف له في الآخرة أعمى ، رواه الضحاك عن ابن عباس . والثاني : من كان في الدنيا أعمى بالكفر ، فهو في الآخرة أعمى ، لأنه في الدنيا تقبل توبته ، وفي الآخرة لا تقبل ، قاله الحسن . والثالث : من عمي عن آيات الله في الدنيا ، فهو عن الذي غيب عنه من أمور الآخرة أشد عمى . والرابع : من عمي عن نعم الله التي بينها في قوله [ تعالى ] : * ( ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر ) * إلى قوله : * ( تفضيلا ) * فهو في الآخرة أعمى عن رشاده وصلاحه ، ذكرهما ابن الأنباري . والخامس : من كان فيها أعمى عن الحجة ، فهو في الآخرة أعمى عن الجنة ، قاله أبو بكر الوراق . والثاني : أنها النعم . ثم في الكلام قولان : أحدهما : من كان أعمى عن النعم التي ترى وتشاهد ، فهو في الآخرة التي لم تر أعمى ، رواه عكرمة عن ابن عباس . والثاني : من كان أعمى عن معرفة حق الله في هذه النعم المذكورة في قوله تعالى : * ( ولقد كرمنا بني آدم ) * ولم يؤد شكرها ، فهو فيما بينه وبين الله مما يتقرب به إليه أعمى * ( وأضل سبيلا ) * ، قاله السدي . قال أبو علي الفارسي : ومعنى قوله : * ( في الآخرة أعمى ) * أي : أشد عمى ، لأنه كان في الدنيا يمكنه الخروج عن عماه بالاستدلال ، ولا سبيل له في الآخرة إلى الخروج من عماه . وقيل : معنى العمى في الآخرة . أنه لا يهتدي إلى طريق الثواب ، وهذا كله من عمى القلب . فإن قيل : لم قال : * ( فهو في الآخرة أعمى ) * ولم يقل : أشد عمى ، لأن العمى خلقة بمنزلة الحمرة ، والزرقة ، والعرب تقول : ما أشد سواد زيد ، وما أبين زرقة عمرو وقلما يقولون : ما أسود زيدا ، وما أزرق عمرا ؟